فخر الدين الرازي
86
شرح عيون الحكمة
معدوم . والقسم الثالث محال ، لأنه يقتضى أن يكون المتمكن الموجود حاصلا في مكان معدوم . والقسم الرابع محال أيضا . لأنه يقتضى أن يكون المتمكن المعدوم حاصلا في مكان موجود . وهو محال . ولما ثبت بالدليل : أن بتقدير نفود بعد الجسم في بعد الخلاء ، لا بد وأن يكون الخلاء في أحد هذه الأقسام الأربعة ، وثبت أنها بأسرها باطلة فاسدة ، ثبت أن القول بنفود بعد الجسم في بعد الخلاء محال . واعلم : أن « الشيخ » أبطل القسم الأول ، وأهمل ذكر الأقسام الثلاثة الأخيرة ، لظهور فسادها . ولقائل أن يقول : أتدعي أن القول بنفود بعد في بعد محال في بديهة العقل ، أو تسلم أنه لا بد في بيان امتناعه من الدليل ؟ فان ادعيت أنه معلوم الامتناع في بديهة العقل ، فاكتف بهذه الدعوى ، واترك الاستدلال . وأيضا : فالقائلون بالبعد يدعون البديهة في صحة ذلك . فإنهم يقولون بالبعدية . فعلم بالبديهة : أن بين طرفي الطاس بعدا مخصوصا ومقدارا معينا ، فإنه هو الذي ينفد جرم الماء فيه . فإذا خرج الماء من الطاس ، وانتقل الهواء اليه ، فإنه ينفد بعد الهواء في ذلك البعد الممتد بين طرفي الطاس . فهؤلاء يدعون البديهة في صحة ذلك . وليس ادعاؤكم أن امتناعه معلوم في بديهة العقل بأولى من ادعائهم أن معلوم الصحة في بديهة العقل . وأما ان ادعيتم الاستدلال ، فنقول : ما ذكرتموه لا يصلح دليلا على ذلك . فان المعقول من نفود أحد البعدين في الآخر : هو أنه لا يبقى واحد منهما مباينا عن الآخر ، ولا يكون مجموعهما أزيد مقدارا من الواحد ، والا لم تكن كلية أحدهما نافدة في كلية الآخر . فإن كان المراد من نفود بعد في بعد ، ليس الا هذا . وهو أن لا يكون مقدار المجموع زائدا على مقدار الواحد . ثم انكم ان ادعيتم أن ذلك باطل ، كان ذلك إعادة للدعوى من غير دليل . والحاصل : أن نفود البعد في البعد ، يقتضى زيادة العدد ، ولكنه